الرجوع إلى الصفحة

 

اليوم العالمي للمرأة يوم احتفال حقا للمرأة المغربية

 
 

 

يقول عز وجل في سورة آل عمران

فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى .... (الآية  36) 

يظل لغز المرأة يطغى على كل المفاهيم الفكرية والدينية والفلسفية، ويظل الجدل قائما حول حقيقة المرأة، ولن يقعد هذا الجدال إلا مع قيام الساعة، لأنه جدل أزلي يغذي كل الصراعات والتيارات السياسية على مر العصور. هذا اللغز الذي حير المفكرين والفلاسفة عبر التاريخ، وظلت الأنظار مشدودة إلى المرأة في كل الحقب التاريخية. فقد سادت في  العصور البدائية المجتمعات الأمومية التي كانت المرأة فيها هي سيدة الأمر، ويتفق كل المؤرخين على هذا الطرح، ولو أنني لا أسلم به، ورغم ما وصلت إليه المرأة، إذ أنها كانت تحدد كل شيء، بل حتى الإقرار بالأبوية للطفل، فإنها لم ترقى إلى مواقف مهمة تذكر في التاريخ، ولم تعرف هذه الحقبة الزمنية الطويلة أثرا في تاريخ البشر، كما عرفته الأحداث التاريخية الأخرى. وقد ساد في الجاهلية على عكس المثل الأول، أن المرأة لم تكن شيئا مذكورا، ووصل ذلها واحتقارها إلى درجة الوأد أو القتل لتفادي العار. بل أصبحت عارا وخزيا في المجتمع الجاهلي. ولم تتمكن أية نظرية فلسفية، أو أية عقيدة دينية من تغيير هذا المنحى الخطير، حتى جاء الإسلام الذي وضع حدا للوأد، لينقذ المرأة من هذا الظلم الاجتماعي، وهو أقصى ما وصلت إليه البشرية في الجور. فالوأد ليس كأي قتل وإنما هو قتل يصبح واجبا، بحكم الظروف الاجتماعية، على الرجل ليطهر ذمته من كل عار محتمل أو إهانة. فالمرأة وصلت في هذه الحقبة التاريخية، إلى أوج ذلها واحتقارها وهضم كرامتها. فالعبودية كانت معروفة منذ أن خلق الله الإنسان، لكن الوأد واستأصال المرأة لم يكن معروفا.

 وظلت المرأة حاضرة في الحياة العامة إلى جانب الرجل، وقد ظهرت في كثير من الأحيان، وفي كثير من الحضارات البائدة، ونختار أعلى مثل لنقف عند ظهورها في الحكم، فقد كانت بلقيس ملكة سبأ شاهدا على حكم المرأة، وبين القرآن الكريم الطريقة التي كانت تحكم بها، والمستوى الذي بلغته. فملكة سبأ لم تكن ملكة رمزية وإنما كانت ملكة حاكمة حقا، كما جاء وصف هذا الحكم في القرآن الكريم. فلما أرسل إليها سليمان عليه السلام بالكتاب، لم تترك الأمر لمن حولها، ولم تستبد به لوحدها، بل شاورتهم في الأمر كما جاء في كتاب الله لقوله تعالى: قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون. ولم يشر عليها الملأ، أو من كان يتولى معها أمور الحكم بأي رأي، وهو ما يزكي ثقتهم  في رجاحة عقلها، وقوتها ومسؤوليتها في اتخاذ القرار، ولذلك كان جوابهم بأن تركوا لها الأمر، كما جاء في القرآن الكريم لقوله تعالى: نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين. فهنا يخول هذا الملأ للملكة كل الصلاحيات، ويضع نفسه رهن إشارتها، وهو ما يدل على التمكن من الحكم فعلا وليس رمزا.

لكن ما يستحق الانتباه إليه في قصة بلقيس مع سيدنا سليمان عليه السلام، هو اختيارها للزواج رغم حكمها وسمو درجتها وملكها، فقد بلغت هذه المرأة درجة عالية في المجتمع، ومع ذلك تختار الزواج على كل ما وصلت إليه، وقبلت أن تترك الحكم وتكون زوجة، فهذا هو الأمر الذي نستقيه ونستنبطه من القرآن، ليسهل التحليل على كل المهتمين بالأمر وبالدراسات السلوكية للمرأة. فبلقيس الملكة الحاكمة لمملكة عظيمة تختار الزواج على الحكم، وتختار الزواج على الدرجة الاجتماعية العالية، وتختار الزواج بطواعية كما يصف القرآن الكريم ذلك، لقوله سبحانه وتعالى: قالت ربي إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين. وتعني أسلمت مع سليمان، الزواج والعيش معه والخضوع له، ليس لأنه ملك ولكن لأنه زوج، وطبعا لأنه نبي عليه السلام، فهو لم يطلب منها الزواج، وإنما طلبها للإسلام.

ونأخذ حقبة تاريخية أخرى، ومشهد آخر، لنقر بوجود المرأة في ميدان آخر، وهو الميدان الأدبي ونختار لهذا المثل الخنساء لنقف عند شعر الرثاء، وهو ما تتفوق فيه المرأة على الرجل لأنه عاطفي، والعاطفة أمر تلقائي وذاتي عند المرأة، لكونها تتأثر بسهولة، وتتدفق كلما تأثرت بحادث، وليس هناك أكثر من التأثر بالموت، ونلاحظ كذلك هذه الصفة عند المرأة عامة لما تفقد أحد الأقارب، لتتدفق رثاءا بطريقتها، فهي لا تنظم شعرا كما كان من ذي قبل، وإنما تخرج زفرات من أعماقها، ومن قلبها فتعبر بالبكاء وكلمات حزينة، يرتعش لها الجسم. وهذا التأثر نجده عند كل النساء بدون استثناء، فالخنساء عرفت كذلك تجربة عالية في الزواج، فقد تزوجت من ثلاثة رجال، وكانت فقيرة مع زوجها الأول، فكانت تأتي أخاها صخر لتأخذ منه ما تعيش به، وزوجها يلعب القمار ويشرب الخمر، لكنها لم تفضحه في عرضه، وبقيت معه مخلصة، وصبرت دون أن تشتكي، رغم أن زوجة أخيها كانت تحاول منع أخيها، من مدها بما تعيش به، ولم يرفض لها طلبا يوما. إن في المثل عبرة ودرس وحكمة. امرأة زوجها خمار قمار ولا تفضحه، ولا تشتكي منه، ولا تنكر عليه العيش، ولا تتنكر له. وأدركت الخنساء الإسلام وأسلمت ورأت رسول الله صلى اله عليه وسلم، ودخلت عليه وهي حالقة رأسها حزنا على أخيها، وأخذت تحكي له عن أخيها وكيف كان كريما وبارا ومخلصا حتى حببت الرسول صلى الله عليه وسلم فيه، وحكت له عن موت أخيها. وكانت تستحيي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتسكت فيقول لها رسول الله صلى الله عليه وسلم إيه يا خناس، أي أكملي وبصيغة الرحمة يا خناس. وأرسلت الخنساء أبناءها كلهم، وهم فرسان أشداء ومنهم عباس بن مرداس، ليدافعوا عن الإسلام، ولينشروه فاستشهدوا جميعا. وعجب الناس كلهم من المفكرين إلى الفقهاء، من أمر الخنساء ترثي أخاها وتدفع أبناءها كلهم إلى الاستشهاد.

وهناك امرأة أخرى هي بنت سيد البشرية صلى الله عليه وسلم فاطمة الزهراء، التي كانت تطحن الشعير بالرحى لزوجها علي كرم الله وجهه، وابنيها الحسن والحسين رضي الله عنهما، وتأتي في يوم من الأيام إلى أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتشتكي له من علي زوجها وابن عمها، ولتريه يديها وقد احمرت أو جرحت من أثر الرحى، فلم يجبها بشيء ولم يقل لها إن هذا الزوج ظالم، بل قال لها إلى بيت زوجك يا فاطمة، وذهب إلى علي كرم الله وجهه، ليجده نائما في المسجد وقد سالت دموعه، والتصق التراب على خده، فأخذ يده وقال له صلى الله عليه وسلم قم أبا التراب إلى منزلك، وساعد زوجتك، ولم يقل له طلق ابنتي، أو خذ بالك من ابنتي، بل نسب المرأة إلى الزوج ولم ينسبها إلى الأب.

وكثير من الأمثلة في الإسلام تصعب الكتابة على كل واحدة. وبالأمس القريب ظهر مثل آخر في المملكة المغربية، في هذا البلد الغني بكل الأمثلة وبكل المقومات، امرأة يصل صيتها المشرق وتغير مجرى التاريخ، إنها فاطمة الفهرية التي اختارت الطريق الصحيح، فكم من وارث ورث أموالا كثيرة، ولم يفلح في تشغيلها. لكن فاطمة الفهرية فضلت تشغيل ثروتها في سبيل الله، وخدمة الوطن، وقدمت للبلد أحسن إنجاز وأحسن خدمة، حيث بنت جامعة كرمز للحضارة، وكذلك لتكون جيلا هو الذي سيعمل على الدفاع على كرامة ووحدة البلاد، وسيعمل على حفظ السيادة المغربية والحكم بالمغرب. هذا الجيل الذي تشرب بقيمه ومبادئه المثلى. وليست أية امرأة كانت ستبني جامعة القرويين، لكن فاطمة الفهرية لم تكن تناضل من أجل القومية، فاطمة الفهرية المرأة المغربية الحقيقية، التي كانت تؤمن بدينها وقيمها، وتؤمن بعقيدتها، وتخلص لأمتها ولوطنها، فاطمة الفهرية لما كانت تبني القرويين كانت صائمة لله عز وجل. هذه هي المرأة المغربية العربية المسلمة، ذات الحضارة والجدارة، والصيت والتقوى والاستقامة، والإخلاص والتضحية والحنان، والتفكير في بناء الأمة عن طريق الجامعة، بل التفكير في كل بني البشر. إن اليوم العالمي للمرأة يجب أن يأخذ رمزية الفهرية، التي بينت للتاريخ من هي المرأة المغربية، ولا تزال وستبقى إن شاء الله  وتعالى.

 ولم تعرف المرأة إنصافا قط في التاريخ إلا في الإسلام، بل حتى الطلاق كان محرما في الديانة المسيحية، ولم يلغى هذا التحريم إلا في أواخر القرن العشرين. بل كانت المرأة إلى حدود أواخر القرن العشرين تعقم، أي تجرى لها عملية جراحية كي لا تلد، وقد أحدثت قضية الفتاة الكندية ليلاني موير Muir Leilani التي تعرضت لهذه الممارسة، ضجة كبرى في كندا، وقد حكمت محكمة ألبيرتا لصالحها ضد الحكومة، لكن كان الحكم بالتعويض المادي فقط.  وكان التعقيم قد أصبح قانونيا في ولاية ألبيرتا الكندية في 21 مارس سنة 1928، وبعده بخمس سنوات طبق نفس القانون بألمانيا، وقد بلغ عدد اللاتي أجريت لهن العملية ما بين أكتوبر 1929 وفبراير 1972 بكندا 2832 حالة. وللمزيد من المعلومات يمكن زيارة الموقع على الربط التالي:

  http://www.canadiancontent.ca/issues/0299sterilization.html

 وليس هناك من يقبل الظلم لأنه منبوذ فطرة. وظهور الجمعيات الحقوقية بالبلدان الغربية دليل على أنه كان هناك ظلم، ولذلك كانت كل المكتسبات التي تحققت في العالم العربي جاءت تحت تأثير قوى المجتمع المدني.

وقد حظيت المرأة المغربية بكثير من الامتياز في الميدان الحقوقي، ولا تزال تحقق مكتسبات هائلة في كل الميادين، وقليل من يعلم أن المنجزات الحقوقية التي حصلت عليها المرأة المغربية لن تبلغها نساء العالم العربي ولا حتى العالم الغربي، والمغرب الآن يمتاز بالمدونة الجديدة التي ضمنت للمرأة حقوقها كاملة وزيادة، وليس هناك إنجاز يعادل الطلاق للشقاق، فبعدما كانت المرأة لا تطلق إلا بسبب قوي ربما لا تقدر على تبريره، أصبحت تطلق بدون سبب وبدون مبرر، يكفي أن تطلب الطلاق للشقاق. ولا يسعنا إلا أن نقول للمرأة المغربية بمناسبة عيدها العالمي هنيئا وألف مرة هنيئا بالمدونة الجديدة مدونة الطلاق للشقاق الذي أنهى كل أسباب الطلاق الأخرى. ووداعا لليوم الذي كانت تطلق فيه بالخلع، فقد أشرق نور الانتصار، وفجر العز، وغربت شمس الظلم، إنه لشرف وإنجاز حقوقي يستحق الذكر. أليس الطلاق هو الذي كان يعقدها؟  لكن إذا أحست المرأة يوما أن هذا المكسب والإنجاز العظيم لم يزدها إلا تعاسة فهل ستناضل من أجل الرجوع إلى ما كانت عليه؟ لأن الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده.

لكن هناك من هي في غنى عن هذه المكتسبات الخيالية، هناك امرأة لا تزال تحفظ بيتها وزوجها وأطفالها، إنها المرأة القروية الشريفة العفيفة الحيية المتربية الصابرة العاقلة، التي لا تزال تعطي لهذا البلد، فهي تستيقظ قبل زوجها لتحضر طعام الفطور، وتذهب معه لتساعده في الحقل، وتعود قبله لتستقبله في البيت، إنها حقا سيدة النساء بأخلاقها الكريمة، وقلبها الحنون وقوة صبرها واحتمالها، فهذه هي المرأة التي تستحق التنويه والاحترام. فهنيئا لك يا سيدة النساء بالبادية، إنك تنافسين الشركات الصناعية لأنك تطبخين لأطفالك، وتقاومين ضد الاستعمار الإقتصادي بخبرتك في الميدان الصحي والغذائي، وعلماء التغذية لا يرقون إلى علمك بالتغذية. هنيئا لك يا سيدة البيت في زمان العولمة، لأنك الجيش الذي سيهزم العولمة، وستستهزئين من الشركات العظمى لأنك لا ترضين بأكل منتوجات الشركات. هنيئا لك فالعيد عيدك يا سيدة النساء وترفعي على القانون لأنك لست في حاجة إليه، فأنت رئيسة الجلسة في بيتك، فاحكمي كيف شئت في بيتك بحكمتك وعقلك وصبرك وأخلاقك، فأنت تجعلين الزوج يحترمك بأدبك ورزانتك ورجاحة عقلك.

كلمة بسيطة صغيرة للرجال

لقد ناضلت المرأة وحققت إنجازات هائلة وتحررت من الزواج، وأصبح الطلاق بيدها وليس بيد الزوج أو القاضي، فهل سيناضل الرجال على الأقل لزيارة أطفالهم في حالة الطلاق، ربما يستغرق النضال وقتا طويلا حتى لم يبق فيه رجل متزوج، لكن النضال من أجل استرجاع الحق واجب ومن حق صاحبه أن يسترجعه، خصوصا إذا كان الحق طبيعيا وواقعيا لا يحتاج إلى مبرر. ولكي يكون موضوع النضال محددا وقانونيا إليكم بعض العناصر:

نعلم طبيعيا أن الطفل خلقه الله من أب وأم، وهذا الحق طبيعي وفطري ولا يتدخل فيه أي أحد ولا أية قوة،  لكنه يصبح بدون أب لما يقع الطلاق. وربما يكون الأمر فيه تهور لكن هناك إجحاف وظلم في حق الأب. فالولد لأبيه وأمه ولما يقع الطلاق يسلم للأم وينكر الأب من حيث يصبح أجنبيا على ابنه.

بعد انفصال الأبوين بحكم قانوني يصبح الأطفال كلهم ملكا للأم، ويصبح الأب مجرما بعد صدور الحكم من حيث لا يسمح له بزيارة أبنائه إلا مرة في الأسبوع، يوم الأحد وفي مكان عمومي، هذا إذا سمحت الأم بذلك، وإلا تعرض الأب إلى عقاب شديد، من حيث إذا حاول أن يرى أبناءه خارج الوقت المحدد من طرف المحكمة الموقرة يكون مجرما، ويحكم عليه بجريمة اختطاف قاصر، وهذا القانون الذي يطبق بصرامة ينكر على الطفل أباه ويجعله أجنبيا عليه. فما رأيكم في هذا القانون العجيب الغريب ؟ 

وبهذه المناسبة نذكر المرأة بأشياء ربما لا تنتبه إليها إلا لما يفوت الأوان، وتندم شر ندامة ولن ينفع الندم. اعلمي فقط يا سيدتي أنك بالنسبة لأبناءك ستكونين دائما ظالمة ولو تكوني مظلومة، ولن تقدري على البراءة معهم لما يعلموا انك أحضرت أباهم للمحكمة.

أما الفقهاء فليراجعوا فقههم في الحضانة، يا سادة يا كرام كانت الحضانة تعطى للمرأة لأنها كانت ملازمة للمنزل، فهل المرأة العاملة أهل للحضانة؟ وإلا فإن معنى فعل حضن في المنجد يصبح خاطئا، لأن حضن تعني لازم، ولذلك تلزم الدجاجة بيضها لما تحضنه حتى يفقس ويعطي كتاكيت. الحضانة شرعها العلماء للمرأة لأنها تلزم البيت، وليست كالرجل الذي يكون دائما خارجا للعمل، أما الآن وقد أصبحت المرأة خارج المنزل فقد تساوت مع الرجل في الحضانة. بئس الزمان الذي يذل فيه الرجال.